الشيخ يد الله الدوزدوزاني التبريزي
84
دروس في تفسير القرآن (حول المعاد)
الوجه الخامس : أنّهم قاموا ، وقيامهم هذا إنّما كان لدعوة الناس سرّاً إلى الإيمان ، إلّا أنّ هذا ممّا لا شاهد له من الآيات . فأقول : أنّ أوجه الوجوه هو الأوّل ثمّ الثاني ، وأمّا حديث الغيبة في قوله تعالى : هؤُلاءِ قَوْمُنَا . . . فليس بشيء ؛ لأنّه يمكن تعبيرهم بالغيبة مع حضور قومهم ؛ مثل إنّكم قوم يؤمنون لأنّ المخاطب هو سلطانهم . واعلم أنّ في كلامهم هذا إثباتاً ونفياً واعتراضاً . أمّا الإثبات فهو قوله : رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ ؛ حيث إنّهم أثبتوا التوحيد بذلك ، وإنّ ربّهم ربّ السماوات والأرض . وأمّا النفي فهو قولهم : لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً ، وفيه تصريح بنفي الألوهية عن غير الله ، وأنّهم لا يدعون غيره ، وهذا ينفى الأرباب المتفرقة التي أثبتها غيرهم . وأمّا الاعتراض فهو قوله : لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً فبهذه الجملة أشاروا إلى أنّ في اثبات الأرباب شططاً وتجاوزاً عن الحقّ . وفي المفردات : « الشطَط : الإفراط في البعد » ، وقال : « لقد قلنا اذاً شططاً » أي : قولًا بعيداً عن الحقّ ، ففيه إشارة إلى أنّ في عبادتهم الأوثان شططاً وتجاوزاً عن الحقّ ، ولا يخفى أنّ الإثبات والنفي في كلامهم يفيدان فائدة كلمة التوحيد ، حيث إنّ في كلمة التوحيد أعني « لا اله الّا الله » أيضاً نفياً واثباتاً ، إلّا أنّ في كلمة « التوحيد » يكون النفي مقدّماً على الإثبات ، وفي كلامهم الإثبات مقدّم على النفي « 1 » . قوله تعالى : هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً « 2 » .
--> ( 1 ) . مفردات ألفاظ القرآن : 260 . ( 2 ) . الكهف : 15 .